| 0 التعليقات ]

المغرب.. إلى النضال الأكبر

محمد عبادي

*الملك محمد الخامس رحمه الله*

«لقد خرجنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»

مبدئياً حسم المغاربة أمر مشروع الدستور السادس في تاريخ المملكة المغربية بقول
الأغلبية الساحقة من الكتلة الناخبة «نعم»، ولن تكون هذه النتيجة رسمية إلا بعد
مصادقة المجلس الدستوري عليها عقب النظر في الطعون التي يمكن أن تقدم وفق ما
تنص عليه مدونة الانتخابات.
لكن ما هو مؤكد أن الشعب المغربي قال كلمته وعبّر بقوة عن ثقته بوجود إرادة
لتقوية مسار لإصلاح وانتقال ديمقراطي حقيقي جسدها عدد من التعديلات في الدستور،
ولن يضر هذه الثقة ما قيل عن حصول خروقات في عملية الاستفتاء والتعبئة له،
لأنها بالتأكيد حالات محدودة ولا تخدش المسار العام للاستفتاء ومصداقيته.
والمفروض في الذين قاطعوا التصويت أن يحترموا ذكاء الشعب المغربي ويؤمنوا بحق
الاختلاف، بدل أسلوب التسفيه والتقليل من أمر الملايين التي صوتت، والزعم بأن
هناك من رشوا وأن هناك أميين و... والتقليل من دور الأحزاب السياسية الوطنية
والديمقراطية التي لا يمكن المزايدة عليها في نضالها الطويل لأجل الديمقراطية،
سواء من اليسار كالاتحاد الاشتراكي أو حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) الذي
كان ولأسابيع وشهور وحيدا تقريبا في مواجهة تصرفات وتصريحات غير ديمقراطية
ونفوذ غير طبيعي لما يعرف في الصحافة المغربية بالحزب الأغلبي الجديد أو حزب
صديق الملك، والذي اتهمت أحزاب سياسية عديدة -مع أن بعضها كان محتشما وربما
خائفا في انتقاده في مرحلة معينة- الدولة بدعمه بشكل مكنه رغم حداثة نشأته من
الحصول على المرتبة الأولى في الانتخابات المحلية الأخيرة.
لا يمكن الادعاء هكذا وبكلمة وجرة قلم، أن أغلبية المغاربة قاطعوا، والطعن في
ذمة المصوتين، فهل يعقل أن ترشو الدولة أكثر من عشرة ملايين؟ باحتساب الجالية
المغربية المقيمة في الخارج.
المفترض فيمن يناضل صدقا من أجل الديمقراطية والحرية والكرامة أن يحترم الرأي
الآخر ولا يمس كرامته، وأن يعترف بالهزيمة دون أن يقلل ذلك من شأنه أو يطعن في
وطنيته.
لكن للأسف بعض مكونات حركة «20 فبراير» رسبوا في امتحان الديمقراطية وقيمها
وأخلاقها من قبيل القيام بتمزيق نسخ من مشروع الدستور، والتشكيك في نوايا
المخالفين لرأيها من الأحزاب والمنظمات وجمعيات المجتمع المدني.
باختصار لم تكن لدى المعارضين لمشروع الدستور الجرأة السياسية للتعبير عن
موقفهم بـ «لا»، وبالتالي فطبيعي أن تكون نتيجة التصويت بتلك الأغلبية
الساحقة.
لقد عقد المعارضون العزم منذ طرح مشروع التعديلات الدستورية على الاختباء وراء
المقاطعة لكي لا تظهر حقيقة حجمهم، ويبقى المجال مفتوحا ليدّعوا ويزعموا ما
شاؤوا، وهذه لعبة قديمة، زادوا عليها فذلكة جديدة تعتبر كل من بلغ سن 18 سنة من
الكتلة الناخبة وليس المسجلين في اللوائح الانتخابية كما هو متفق عليه ومقرر في
القانون الانتخابي المعمول به حاليا.
بل أكثر من ذلك، منعت الحركة بعض أعضائها من التصويت بـ «نعم» وفق ما أوردته
صحيفة «الصباح»، حيث قال عضو تنسيقية الدار البيضاء لحركة «20 فبراير» إن
«الأعضاء قرروا المشاركة في الاستفتاء، رغم محاولة بعض الجهات المسيطرة على
الحركة منعهم من ذلك، مؤكداً أنها فرضت على عدد من الأعضاء أن يقاطعوا الدستور
بدعوى أنه لم يستجب إلى مطالبها».
وذكرت الصحيفة أن «الأعضاء المستقلين الذين عرفوا عددا من المشاكل منذ أن قرروا
تأسيس ائتلاف خاص بهم، أطلقوا عليه اسم ائتلاف مستقلي حركة 20 فبراير، بسبب ما
سموه سيطرة بعض الجهات على قرارات أعضاء الحركة، سيشاركون الشعب المغربي في
الاستفتاء على الدستور، والذي قرر على حد قول عضو التنسيقية المشاركة عن طيب
خاطره».
وكشف العضو المتحدث للصحيفة ذاتها أن «الأعضاء الذين أكدوا مقاطعتهم للدستور لا
يتوفرون أصلا على بطاقة الناخب، وهم ينتمون إلى جهات محظورة، والدليل على ذلك،
أنهم في الوقت الذي أعلنوا فيه حرق البطاقات في المسيرة السابقة، تبين أنهم لا
يتوفرون عليها في الأساس».
وبغض النظر عن حالة التصدع داخل الحركة وتناقض مكوناتها وتضارب أيديولوجياتهم،
فإن ما هو أساسي ومهم اليوم بعدما قال الشعب المغربي كلمته، هو الاتجاه من
النضال الكبير (الإصلاح الدستوري) إلى النضال الأكبر (الإصلاح السياسي ومحاربة
الفساد والمفسدين)، قياسا على المقولة التاريخية لجد العاهل المغربي الملك محمد
السادس، الملك محمد الخامس رحمه الله تعالى بعد عودته من المنفى ونجاح ثورة
الملك والشعب: «لقد خرجنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، أي الانتقال من
معركة الاستقلال إلى معركة البناء.
اليوم يخرج المغرب -أو هكذا يفترض- من مرحلة الإصلاح الدستوري إلى مرحلة أكبر
منها وأصعب، وهي معركة تنزيل بنود الدستور تنزيلا سليما وديمقراطيا من خلال
إصلاح سياسي شامل ستشكل تهيئة وتنظيم شروط انتخابات نزيهة وشفافة أبرز معالمه،
والرد الصريح والواضح على المقاطعين للاستفتاء، وكأني بهذا الإنجاز الذي يتوق
إليه يقول لهم بطريقة: «لقد أخطأتم التقدير وأسأتم النية» فالشعب المغربي يستحق
كل خير و «نَعَمُه» الكبيرة على الدستور ستثمر بتحمل كل الأطراف (الدولة
والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والشعب بيقظته) نِعماً كثيرة على
البلاد والعباد بإذن الله وتوفيقه.
-----------------------------------
ايلاف نقلا عن
العرب القطرية
5-7-2011

بتصرف يسير

0 التعليقات

إرسال تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها